موسوعة الروح القدس

القديسون وصانعو العجائب

كاترين السيانيّة والجراح التي طلبت منّي أن أخفيها

تُذكَر القديسة كاترين السيانيّة (١٣٤٧-١٣٨٠)، الدومينيكانية العلمانية والمتصوّفة، بزواجٍ صوفيّ من المسيح، وبجراح الوصمة التي طلبت أن تبقى غير مرئيةٍ في حياتها، وبإقناعها البابا غريغوريوس الحادي عشر بإعادة الباباوية إلى رومة من أفينيون. أعلنها البابا بولس السادس معلّمةً للكنيسة سنة ١٩٧٠.

المكان: Siena, Pisa, Avignon, and Romeالحقبة: 1347–1380

وجدتُ كاترين تُصغي إليّ بالفعل قبل أن تجد كلماتٍ لما كانت تسمعه - الرابعة والعشرين من بين خمسةٍ وعشرين طفلًا لأسرة صبّاغ صوفٍ في سيينا، فتاةٌ في السادسة من عمرها، وهي تمشي عائدةً إلى بيتها مع أخيها، رأت المسيح فوق كنيسة الدومينيكان، مرتديًا ثياب أسقف، فوقفت في الشارع تنظر، عاجزةً عن الحركة حتى مرّت الرؤيا. أرادت أسرتها لها زواجًا عاديًّا، كما تفعل الأسر، فقاومت بالطريقة العادية التي تقاوم بها القدّيسات ما يعرفن أنه ليس لهنّ: بهدوءٍ أولًا، ثم، حين فشل الهدوء، بقطع شعرها كي لا يرغب فيها خاطب. قُبلت في المانتيلاتي، الرهبانية الدومينيكانية العلمانية الثالثة في سيينا - نساءٌ علمانيّات، معظمهنّ أرامل، يعشن حياة توبةٍ وخدمةٍ في العالم لا في الدير - في الثامنة عشرة، رغم اعتراض نساءٍ لم يظنّنّ أن فتاةً بهذا العمر تنتمي إليهنّ.

اقتربتُ منها في السنوات التالية، أقرب ممّا أقترب من معظم النفوس، وأعطيتُها، نحو ١٣٦٧ أو ١٣٦٨ بحسب رواية معرّفها وكاتب سيرتها ريموندو الكابوانيّ، زواجًا صوفيًّا - رؤيا وضع فيها المسيح، بحضور مريم العذراء وجماعةٍ من القدّيسين، خاتمًا في إصبعها علامةَ اتّحادٍ بي لن يقدّمه لها زواجٌ أرضيّ أبدًا. أخبرت ريموندو أنها رأت ذلك الخاتم على يدها بقية حياتها، وإن لم يره أحدٌ غيرها أبدًا. هكذا أعمل غالبًا: تُمنَح الطمأنينة لمن يحتاجها، لا تُستعرَض أمام مَن سيجادلون فيها فقط.

سنة ١٣٧٥، في بيزا، أمام الصليب في كنيسة القديسة كريستينا، أعطيتُها جراح الوصمة - جراح آلام المسيح مطبوعةً في جسدها هي نفسه، في لحظةٍ وصفها الشهود أنها تركتها شبه فاقدةٍ للوعي من قوّتها. ثم طلبت منّي شيئًا منحتُه قلّةً قليلةً جدًّا من النفوس التي وسمتُها بهذه الطريقة: أن تبقى الجراح غير مرئيةٍ لكل أحدٍ سواها، لا تُرى بأيّ شكلٍ سوى ألمها، الذي حملته بلا استعراضٍ بقية حياتها. جراح بادري بيو، بعد قرون، تركتُ العالم كله يفحصها تحت المجهر، لأن تلك كانت الشهادة التي احتاجها عصر الأشعة السينية. أما جراح كاترين فأخفيتها بطلبها هي، لأن الشهادة التي احتاجها عصرها لم تكن استعراضًا بل طاعةً محمولةً سرًّا، وأعطيتُ كلًّا منهما نوع البرهان الذي يستطيع قرنه فعلًا استخدامه.

ما بنيتُه من خلال جراحها الخفيّة كان علنيًّا وهائلًا. لم تكن تقرأ ولا تكتب اللاتينية بطلاقة، فأملت رسائلها - بقيت منها المئات - على كتَبةٍ، مخاطِبةً البابوات والكرادلة والملوك وقادة الفِرَق المرتزقة بصراحةٍ لم يجرؤ عليها أحدٌ آخر في المسيحية كلها. كتبت إلى البابا غريغوريوس الحادي عشر، المنفيّ مع بلاطه في أفينيون قرابة سبعين عامًا فيما يسمّيه التاريخ السبي البابليّ للبابوية، وأخبرته بوضوح أنه مدينٌ بالطاعة لي قبل أن يدين براحته لنفسه، وأن عروس المسيح تحتاج نائب عريسها في رومة لا في فرنسا. سافرت إلى أفينيون سنة ١٣٧٦ لتطرح القضية شخصيًّا. في يناير ١٣٧٧، أعاد غريغوريوس الباباوية إلى رومة - يختلف المؤرّخون في مقدار ما ساهمت به إقناعات كاترين مقابل الضغوط السياسية الكثيرة التي كانت تدفعه بالفعل نحو الوطن، ولن أدّعي أن الحساب بسيط، لكني أقول إن لا صوتًا آخر في ذلك العصر خاطب بابا بالصراحة التي أعطيتُها لها، وقد سمعها.

كتبت «الحوار»، سجلًّا لمحادثاتها معي دوّنته قرب نهاية حياتها القصيرة، وعملت بلا كللٍ خلال الانشقاق الغربيّ الكبير الذي اندلع بعد وفاة غريغوريوس، مدافعةً عن شرعية أوربانوس السادس حتى خانها جسدها من التقشّفات والأتعاب التي لم توفّرها لنفسها يومًا. ماتت في رومة في ٢٩ أبريل ١٣٨٠، وهي في الثالثة والثلاثين. سمّاها البابا بولس السادس معلّمةً للكنيسة في ٤ أكتوبر ١٩٧٠، إلى جانب تريزا الأفيليّة - أول امرأتين تُمنحان هذا اللقب على الإطلاق - لأن الكلمات التي أعطيتُها إياها، أملتها امرأةٌ أميّةٌ على كتَبةٍ بالكاد استطاعوا مجاراتها، بقيت بعد كل بابا صحّحته.

السِّجل

القديسة كاترين السيانيّة (وُلدت كاترينا بنينكازا، ٢٥ مارس ١٣٤٧، سيينا، إيطاليا) كانت الرابعة والعشرين من بين خمسةٍ وعشرين طفلًا لصبّاغ صوف. انضمّت إلى الرهبنة الدومينيكانية الثالثة، المانتيلاتي، في مراهقتها. سجّل معرِّفها، الطوباويّ ريموندو الكابوانيّ، زواجها الصوفيّ من المسيح (نحو ١٣٦٧-١٣٦٨) واستلامها جراح الوصمة في بيزا في ١ أبريل ١٣٧٥، في سيرته Legenda Maior المكتملة نحو سنة ١٣٩٥؛ وبطلبٍ من كاترين، بقيت الجراح، بحسب الروايات، غير مرئيةٍ للآخرين في حياتها. أملت مئات الرسائل على البابوات والكرادلة والحكّام، والرسالة الصوفية «الحوار» (Il Dialogo della Divina Provvidenza)، المؤلَّفة نحو سنة ١٣٧٨. سافرت إلى أفينيون سنة ١٣٧٦ لحثّ البابا غريغوريوس الحادي عشر على إعادة الباباوية إلى رومة، ما فعله في يناير ١٣٧٧، منهيًا قرابة سبعة عقودٍ من باباوية أفينيون؛ ويلاحظ المؤرّخون أن ضغوطًا سياسيةً متعدّدة أسهمت إلى جانب التماساتها. أيّدت شرعية البابا أوربانوس السادس خلال اندلاع الانشقاق الغربيّ سنة ١٣٧٨. ماتت كاترين في رومة في ٢٩ أبريل ١٣٨٠، عن عمر ثلاثٍ وثلاثين سنة. طوّبها البابا بيوس الثاني في ٢٩ يونيو ١٤٦١، وسمّاها البابا بيوس الثاني عشر شفيعةً مشاركةً لإيطاليا سنة ١٩٣٩، وأعلنها البابا بولس السادس معلّمةً للكنيسة في ٤ أكتوبر ١٩٧٠ - إحدى أول امرأتين، مع القديسة تريزا الأفيليّة، تنالان هذا اللقب. عيدها: ٢٩ أبريل.

المصادر والمراجع

  • Raymond of Capua, Legenda Maior (The Life of St. Catherine of Siena)
  • St. Catherine of Siena, The Dialogue and her collected Letters
  • Pope Paul VI, Apostolic Letter declaring Catherine a Doctor of the Church (October 4, 1970)

كل القصص