فاوستينا والشعاعان
سجّلت القديسة فاوستينا كوفالسكا (١٩٠٥-١٩٣٨)، الراهبة البولندية، رؤًى ليسوع الرحمة الإلهية في يوميّاتٍ كُتبت تحت الطاعة، مانحةً الكنيسة الصورة والرسالة التي وضعها البابا يوحنا بولس الثاني في مركز التقويم العالميّ حين قدّسها سنة ٢٠٠٠ وأسّس أحد الرحمة الإلهية.
اخترتُ فتاةً ريفيّةً غير متعلّمة من غووغوفييتش، الثالثة من بين عشرة أبناء، تركت المدرسة بعد ثلاث سنواتٍ بالكاد لتعمل خادمة، وأعطيتُها ما سيدرسه لاحقًا لاهوتيّون في كل قارّة. هكذا أُفضّل أن أعمل غالبًا - لا عبر أصحاب الشهادات، بل عبر مَن أفرغوا أنفسهم، لأن هيلينا كوفالسكا، التي اتّخذت اسم فاوستينا حين دخلت رهبانية أخوات سيّدتنا الرحمة في وارسو سنة ١٩٢٥، لم يكن لديها تقريبًا ما يعترض ما أردتُ أن أقوله من خلالها.
في مساء ٢٢ فبراير ١٩٣١، في قلّايتها بدير بلوتسك، تركتُها تراني كما أردتُ للقرن العشرين - قرنٍ عرفتُ بالفعل أنه سيكون الأكثر دمويّةً في التاريخ البشري - أن يتذكّرني. لا قاضيًا بعيدًا، وإن كنتُ ذلك أيضًا حين تكون العدالة مستحقّة، بل يسوع بثوبٍ أبيض، يدٌ مرفوعةٌ بالبركة، وشعاعان ينبعثان من قرب قلبه، أحدهما شاحبٌ والآخر أحمر، وأخبرتُها بالضبط ما يعنيه الشعاعان: الشاحب للماء الذي يبرّر النفوس، والأحمر للدم الذي هو حياتها. طلبتُ أن تُرسَم الصورة وتُكرَّم، مع الكلمات التي أعطيتُها لتوضع تحتها: Jezu, ufam Tobie. يا يسوع، أنا أثق بك. لا صيغة. بل تعليمًا لكيفية النجاة من كل ما هو آتٍ.
عرفتُ أنها لن تُصدَّق بسهولة، ولم أُعفِها من ذلك أيضًا. كان معرِّفوها الأوائل متشكّكين، وبعضهم رافضًا، ولم تجد حتى التقت بالأب ميخائيل سوبوتشكو في فيلنيوس سنة ١٩٣٣ معرِّفًا مستعدًّا أن يختبر ما أفادت به بحسب لاهوتٍ حقيقيّ لا أن يمنعها ببساطةٍ من الحديث عنه. هو مَن كلّف أول لوحةٍ للصورة، رسمها سنة ١٩٣٤ يوجينيوش كازيميروفسكي تحت تصحيحها المباشر - بكت، بحسب روايتها هي، لأن الرسّام لم يلتقط جمال ما رأت، وتركتُ ذلك الحزن يبقى في السجلّ أيضًا، لأني لم أعدها يومًا أن تعادل اللوحة الرؤيا. وعدتُ فقط أن تكفي اللوحة.
أوصيتُها، عبر معرِّفيها، أن تحتفظ بيوميّات - فعل طاعةٍ قاومته أولًا امرأةٌ غير متعلّمةٍ يُطلَب منها أن تكتب لاهوتًا، وأريد أن أكون واضحًا بشأن ما صارت عليه تلك اليوميّات: نُشرت لاحقًا بعنوان «الرحمة الإلهية في نفسي»، وهي من أكثر النصوص الروحية قراءةً في العصر الحديث، ولم يجد فيها أيّ دارسٍ كتابيّ جادّ ولا لاهوتيّ فاتيكانيّ فحصها منذ ذلك الحين شيئًا يخالف الإيمان، بل فقط تكثيفًا لما تقوله الأناجيل أصلًا عنّي. تركتُها تعاني من السلّ سنواتٍ، تذوي في مستوصف الدير في كراكوف، تقدّم تلك المعاناة، بحسب روايتها، عن الخطأة وعن الكهنة، حتى دعوتُها إلى بيتها في ٥ أكتوبر ١٩٣٨. كانت في الثالثة والثلاثين.
لم أدع رسالتها تمرّ دون اختبار. سنة ١٩٥٩، بسبب ترجمةٍ إيطاليةٍ رديئةٍ ومضلِّلة لكتاباتها، أصدر المكتب المقدّس تنبيهًا يقيّد التعبّد - سمحتُ بذلك الفحص، الفحص نفسه الذي سمحتُ به لبادري بيو ويوحنا فيانّي في قرنيهما، لأن رسالةً بهذا الحجم استحقّت أن تُفحَص بهذه الدقّة. رُفع القيد سنة ١٩٧٨ بعد تحقيقٍ أوفى وأدقّ، قاده جزئيًّا أسقف كراكوف الذي نشأ في ظلّ ديرها والذي سيصير قريبًا البابا يوحنا بولس الثاني. حين قدّسها في ٣٠ أبريل ٢٠٠٠ - أحد الفصح الثاني - فعل ما هو أبعد من أيّ تقديسٍ سابق: سمّى ذلك الأحد، للكنيسة كلها، إلى الأبد، أحد الرحمة الإلهية. فتاةٌ ريفيّةٌ بثلاث سنواتِ دراسةٍ أعطت القرن الحادي والعشرين، قبل أن يبدأ حتى، الاسم الذي سيحتاجه أكثر ليدعوني به.
السِّجل
وُلدت هيلينا كوفالسكا في ٢٥ أغسطس ١٩٠٥، في غووغوفييتش، بولندا، ودخلت رهبانية أخوات سيّدتنا الرحمة في وارسو سنة ١٩٢٥، متّخذةً الاسم الرهبانيّ ماريا فاوستينا. بدءًا من ٢٢ فبراير ١٩٣١، في دير بلوتسك، سجّلت سلسلةً من الرؤى ليسوع الرحمة الإلهية، وصفتها في يوميّاتٍ كُتبت بتوجيه معرِّفيها، نُشرت بعد وفاتها بعنوان «الرحمة الإلهية في نفسي».
من سنة ١٩٣٣ عملت عن قربٍ مع مرشدها الروحيّ، الأب ميخائيل سوبوتشكو في فيلنيوس، الذي كلّف أول صورةٍ للرحمة الإلهية، رسمها يوجينيوش كازيميروفسكي سنة ١٩٣٤. ماتت فاوستينا بالسلّ في ٥ أكتوبر ١٩٣٨، في كراكوف، عن عمر ثلاثٍ وثلاثين سنة.
دفعت ترجمةٌ إيطاليةٌ معيبةٌ ليوميّاتها المكتب المقدّس سنة ١٩٥٩ إلى إصدار تنبيهٍ يقيّد الترويج للتعبّد؛ وبعد تحقيقٍ مجدَّد، رُفع القيد رسميًّا سنة ١٩٧٨. كان كارول فويتيلا، أسقف كراكوف حينها ثم البابا يوحنا بولس الثاني لاحقًا، منخرطًا عن قربٍ في دفع قضيّتها قدمًا، إذ كان قد بدأ الإجراءات التي أدّت إلى رفع القيد الفاتيكانيّ سنة ١٩٧٨ بُعيد انتخابه للباباوية هو نفسه. طوّبها في ١٨ أبريل ١٩٩٣، وقدّسها في ٣٠ أبريل ٢٠٠٠، في رومة، وفي تلك المناسبة أسّس الأحد الثاني من الفصح أحد الرحمة الإلهية للكنيسة العالمية. تُرجمت يوميّاتها منذ ذلك الحين إلى عشرات اللغات ودُرست باستفاضةٍ على يد اللاهوتيّين. عيدها: ٥ أكتوبر.
المصادر والمراجع
- St. Faustina Kowalska, Divine Mercy in My Soul: Diary
- Positio for the Cause of Canonization, Congregation for the Causes of Saints
- Pope John Paul II, canonization homily and Divine Mercy Sunday proclamation (April 30, 2000)