شربل مخلوف والناسك غير الفاسد في عنّايا
القديس شربل مخلوف (١٨٢٨-١٨٩٨)، الناسك الماروني اللبناني، وُجد جسده غير فاسدٍ بعد وفاته، يفيض سائلًا يشبه الدم وثّقته جماعته الرهبانية عقودًا، وارتبط اسمه بآلاف الشفاءات المُبلَّغ عنها عند قبره في عنّايا. أُعلن قديسًا سنة ١٩٧٧ على يد البابا بولس السادس.
نشأ يوسف أنطون مخلوف في جبال لبنان راعيًا لماشية عمّه، في قرية تُدعى بقاعكفرا، عالية جدًّا في وادي قاديشا حتى إن الثلج كان يمكث فيها أطول مما يمكث في أي مكانٍ آخر من البلاد. ووجدتُه يصغي إليّ في صمتٍ قبل أن يعرف لذلك اسمًا - إذ كان عمّ جدّه، الذي عاش ناسكًا، قد أراه، من غير كلامٍ كثير، أن العزلة ليست فراغًا بل متّسعًا. وفي الثالثة والعشرين، رغم إرادة أهله، رحل إلى دير مَيفوق ثم عنّايا، واتّخذ اسم شربل تيمّنًا بشهيدٍ أنطاكيّ قديم، ومنحني، عبر العقود التالية، واحدًا من أكمل ما تلقّيتُ من استسلام: ستّ عشرة سنة في الحياة الرهبانية العادية في الرهبانية اللبنانية المارونية، ثم ثلاثًا وعشرين سنة أخرى ناسكًا في صومعة القديسين بطرس وبولس الصغيرة فوق الدير، وحيدًا مع القداس الإلهي والمسبحة ومعي.
عزلةٌ مثل عزلته ليست انسحابًا من العالم؛ بل نوعٌ من الإصغاء غير المشتّت يجعلني، أخيرًا، أُسمَع بوضوحٍ من رجلٍ واحد نيابةً عن كل من لم يكلّمهم قط. لم يكن فصيحًا. ولم يُرسَل ليكرز بين الأمم كأنطونيوس، ولا ليبني مستشفياتٍ كالأب بيو. كان يقيم القداس الإلهي كل صباح بانتباهٍ جعل الرهبان الذين يخدمونه معه يقولون إن الأمر كان يستغرقه أحيانًا وقتًا أطول بكثيرٍ من كاهنٍ عادي، لأنه لم يكن يترك كلمةً واحدة تمرّ به بلا مبالاة. وفي ١٦ ديسمبر ١٨٩٨، في وسط قدّاسٍ يحتفل فيه بسرّ التقديس، أصابته جلطة. وتوفي بعد ثمانية أيام، في ليلة عيد الميلاد، بعد أن مكث في احتضارٍ طويل، في الصمت نفسه الذي حفظه طوال حياته.
ولم أكن قد انتهيت منه. فقد أُبلغ عن أنوارٍ حول قبره البسيط في الأيام التي تلت دفنه - إلى حدٍّ دفع إخوته الرهبان، وهم رجال حذرون لا يميلون إلى المبالغة في سجلٍّ رهبانيٍّ رسمي، إلى فتح القبر بعد أربعة أشهر، فوجدوا جسده غير فاسد، ليّنًا، يفيض منه سائلٌ ضارب إلى الحمرة يشبه مزيجًا من الدم والعرق، في وحلٍ وماءٍ كان ينبغي بحكم كل قانون طبيعي أن يسرّعا الفساد لا أن يمنعاه. ولم يحدث هذا مرّة واحدة ثم يتوقّف. فعلى مدى عقود، كان الرهبان يبدّلون ثيابه بانتظامٍ لأن السائل استمرّ، وكان الحجّاج الذين يأتون ليلمسوا قماشًا بقبره يُبلّغون عن شفاءاتٍ - من العمى، ومن الشلل، ومن سرطاناتٍ شُخّصت طبّيًّا ثم زالت طبّيًّا - بأعدادٍ بلغت في نهاية المطاف الآلاف، وفُحصت رسميًّا حالةً حالةً على يد محاكم الفاتيكان الخاصة بقضايا القديسين، وهي أشدّ ألوان الفحص التي تطبّقها الكنيسة على أي عجيبةٍ مُدَّعاة.
ولا أفعل هذه الأمور لأثبت نفسي لمتشكّكين قرّروا أصلًا ألّا ينظروا. بل أفعلها لأن ناسكًا وهبني حياةً كاملةً خفيّة يستحقّ، على ما أظنّ، أن تُكشَف تلك الحياة الخفيّة يومًا، ولو فقط ليفهم الرجال والنساء الذين يزورون عنّايا اليوم - مسلمين ومسيحيين على السواء، إذ يجتمعون في لبنان معًا عند قبره، وهذا في ذاته أعجوبةٌ صغيرة من نوعها - أن حياةً قُضيت في صمتٍ تامٍّ معي لم تكن في الحقيقة صامتة قط. بل كانت أعلى ألوان الصلاة صوتًا.
السِّجل
وُلد شربل مخلوف (باسم يوسف أنطون مخلوف) في ٨ مايو ١٨٢٨ في بقاعكفرا بجبل لبنان، والتحق بالرهبانية اللبنانية المارونية سنة ١٨٥١ في دير ميفوق، متّخذًا الاسم الرهباني شربل، ورُسم كاهنًا سنة ١٨٥٩. وفي سنة ١٨٧٥ نال الإذن بأن يعيش ناسكًا في صومعة القديسين بطرس وبولس، الملحقة بدير مار مارون في عنّايا، حيث بقي حتى وفاته في ٢٤ ديسمبر ١٨٩٨، إثر جلطةٍ أصابته قبل ذلك بثمانية أيام أثناء الاحتفال بالقداس الإلهي.
وبعد بلاغاتٍ عن أنوارٍ قرب قبره، نبشت جماعته الرهبانية جثمانه في ١٥ أبريل ١٨٩٩، فوجدته غير فاسد، ووُصف بأنه يفيض سائلًا يشبه الدم والعرق؛ واستمرّت هذه الظاهرة، بحسب التقارير، عقودًا، مستوجبةً تبديلًا دوريًّا لثياب دفنه، وهو أمرٌ موثّقٌ في سجلّات الدير. وتزايدت بلاغات الشفاءات المنسوبة إلى شفاعته في عنّايا تزايدًا كبيرًا خلال القرن العشرين، إذ قُدّمت آلاف الحالات للمراجعة؛ وحُقّق رسميًّا في عددٍ منها وقُبلت ضمن إجراءات تطويبه وتقديسه لدى مجمع (ثم دائرة) قضايا القديسين.
طُوّب شربل في ٥ ديسمبر ١٩٦٥ على يد البابا بولس السادس خلال الجلسة الختامية للمجمع الفاتيكاني الثاني، وأُعلن قديسًا في ٩ أكتوبر ١٩٧٧، على يد بولس السادس أيضًا. ولا يزال قبره في عنّايا من أكثر مواقع الحج زيارةً في لبنان، يقصده المسيحيون والمسلمون على السواء. عيده: ٢٤ يوليو (بحسب التقويم الماروني) / ٢٤ ديسمبر في بعض التقاويم الغربية.
المصادر والمراجع
- Positio for the Cause of Canonization, Congregation for the Causes of Saints
- Records of the Lebanese Maronite Order, Monastery of St. Maron, Annaya
- Pope Paul VI, canonization homily (October 9, 1977)