طرد الأرواح الشريرة وإخفاق السحر
أليماس الساحر
في قبرص، عارض الساحر بارْيشوع، الملقّب أليماس، بولس أمام الوالي سرجيوس بولس، وحاول أن يصرفه عن الإيمان؛ فامتلأ بولس من الروح القدس ووبّخه، وضربه بعمًى مؤقّت مقيسًا بمقدار الظلمة التي كان يبيعها لغيره، فآمن الوالي المندهش بتعليم الرب.
استقبلتنا قبرص بشمسٍ على صخرٍ أبيض ورائحة ملح، وفي بافوس، عند الطرف الغربي من الجزيرة، جمعتُ بولس، وإن كان لوقا ما زال يدعوه شاول حين بدأ هذا، وجهًا لوجه مع الوالي سرجيوس بولس، رومانيٍّ ذي ذكاءٍ حقيقي، رجلٍ أراد أن يسمع كلمة الله وامتلك التواضع النادر ليعترف بأنه أرادها. أُسَرّ برجالٍ كهؤلاء أكثر مما يعرف العالم، لأن السلطة التي تبقى مستطلعة أندر من السلطة التي تبقى مرتاحة، وكنتُ أُعدّ سماع هذا الوالي قبل أن تغادر سفينة بولس سالاميس أصلاً.
لكن سرجيوس بولس كان يُبقي في بيته نبيًّا كاذبًا وساحرًا يهوديًّا اسمه بارْيشوع، ابن يشوع، ودعته الجزيرة الناطقة باليونانية أليماس، وهي كلمةٌ مستعارة ومعادة الصياغة من لفظٍ يعني الحكيم أو الساحر، يرتديها كلقبٍ مهني. أريدكم أن تروا بوضوح، بلا زخرفة، من كان هذا الرجل، لأني لا أُلبس الشيطاني دومًا دراما أكثر مما يستحقّ: كان مستشار بلاطٍ تعتمد قيمته الكاملة لنفسه على أن يبقى الوالي بالضبط بذات القدر من الحيرة، بذات القدر من التيه، بذات القدر من الانفتاح على الرقية والفأل كما كان دومًا. الوالي المتنصّر لا حاجة له بأليماس. فصنع أليماس ما يصنعه كل مزيَّفٍ حين يصل الأصيل أخيرًا: عارضه، وحاول أن يصرف الوالي عن الإيمان، لا بحجّةٍ منافسة، بل بالتكتيك البسيط القديم: أن يقف بين رجلٍ جائع والخبز.
هنا ملأتُ بولس كليًّا، في لحظةٍ واحدة حرص لوقا على تسجيلها بدقّة، لأنها اللحظة التي يبدأ فيها الكتاب المقدس نفسه يدعوه بولس لا شاول، وكأن الاسم الروماني كان ينتظر هذه المواجهة الرومانية ليُنطَق به إلى الأبد. حدّق بولس في الساحر، وأعطيته الكلمات، فجاءت بلا تليين: «يا ابن إبليس، يا عدوّ كل برٍّ، يا ممتلئًا كل غشٍّ وخبث، أما تكفّ عن تعويج سبل الرب المستقيمة؟». لا أتكلّم غالبًا عبر خدّامي بلغةٍ بهذه الصراحة، لكن هناك لحظاتٍ تكون فيها اللياقة نفسها ضربًا من التواطؤ مع الاعوجاج المسمَّى، وكانت هذه واحدةً منها.
ثم جاء الحكم، وأريدكم أن تلاحظوا دقّته، لأني لا أتعامل بأحكامٍ متسرّعة: «ها يد الرب عليك، فتكون أعمى لا تبصر الشمس إلى حين». لا إلى الأبد. لا فناءً. ظلمةٌ مقيسة بالضبط لتوازي الظلمة التي أفنى حياته يبيعها لغيره من الرجال، مرآةٌ رُفعت حتى وقع الضباب والدَّجَى على عينيه هو، فاضطُرّ أن يتلمّس طريقه متوسّلاً غرباء أن يأخذوا بيده، بذات وضعية العجز التي طالما استفاد من إحداثها في الآخرين بإخافتهم من قوًى غير منظورة. لم أُعمِه لأدمّره. أعميته لأن رجلاً يقضي حياته يحجب الشمس عن غيره قد يحتاج أحيانًا أن يفقدها هو نفسه قبل أن يقدر أن يتخيّل رغبته في استعادتها.
وسرجيوس بولس، وهو يرى هذا يحدث في بلاطه نفسه، لم يكتفِ بالتعجّب من حيلةٍ انكشفت. يحرص لوقا أن يقول إنه آمن، وأن ما أذهله لم يكن مشهد العمى، بل اندهاشه من تعليم الرب. هذا هو الترتيب الذي أنويه دومًا ونادرًا ما أراه مُكرَّمًا بهذا الوضوح: المعجزة أزالت العائق، لكن الكلمة هي التي بلغت الرجل حين زال العائق. لا أصنع العجائب ليتعجّب الناس من العجائب. أصنعها ليوافق العُمي أخيرًا على النظر إلى ما كان حقًّا على الدوام.
السِّجل
تُروى المواجهة في أعمال الرسل 13: 6-12، خلال رسالة بولس وبرنابا إلى قبرص في بداية الرحلة التبشيرية الأولى. وسرجيوس بولس من أندر شخصيات العهد الجديد التي تشهد لها نقوشٌ مستقلّة خارج الكتاب المقدس: تسمّي نقوشٌ من قبرص ورومة واليًا رومانيًّا بهذا اللقب في منتصف القرن الأول، مما يمنح الحادثة رسوخًا تاريخيًّا نادرًا. أما بارْيشوع، الملقّب أليماس، فيصفه لوقا بأنه نبيٌّ كاذبٌ يهوديّ وساحر ملحقٌ ببيت الوالي، ممثّلاً لطائفة السحرة المتجوّلين الذين كانوا يلتمسون عادةً حماية البلاطات الإقليمية في أرجاء الإمبراطورية الشرقية.
ويمثّل هذا المقطع النقطة في سفر أعمال الرسل التي يبدأ عندها لوقا يدعو الرسول «بولس» بدل «شاول» (أعمال الرسل 13: 9)، وهو تحوّلٌ طالما ربطه الباحثون بالسياق الروماني واتّساع الرسالة إلى الأمم الجارية آنذاك، سواء بوصفه تبنّيًا بسيطًا لكنيته الرومانية أو علامةً أدبية على ذلك الميدان الأوسع من الرسالة. والعمى المؤقّت الذي أصاب أليماس، الموصوف بـ«ضباب وظلام» (أعمال الرسل 13: 11)، هو أوضح مثالٍ في العهد الجديد على معجزةٍ عقابية تخدم غايةً تبشيرية لا انتقامية محضة، إذ إن النتيجة التي يذكرها لوقا ليست خراب الساحر بل إيمان الوالي، الذي أحدثه اندهاشه «من تعليم الرب» (أعمال الرسل 13: 12).
المصادر والمراجع
- Acts 13:6-12
- Acts 13:1-5
- Deuteronomy 18:10-12
- CCC 2117