موسوعة الروح القدس

سيدتنا مريم

سيدة لورد

بين شباط (فبراير) وتموز (يوليو) 1858، ظهرت العذراء مريم ثماني عشرة مرة لبرنادت سوبيرو، الفتاة ذات الأربعة عشر عامًا، في مغارة ماسابييل بمدينة لورد الفرنسية، وكشفت عن نبعٍ ما زال يفيض حتى اليوم. ومنذ 1858، وثّق المكتب الطبي في لورد آلاف الشفاءات المزعومة، اعترفت الكنيسة رسميًّا بسبعين منها بوصفها أعجوبية.

المكان: Lourdes, Franceالحقبة: February–July 1858

اخترتُ فتاةً كان العالم قد شطبها من حساباته. كانت برنادت سوبيرو في الرابعة عشرة، صغيرة الجسم لسنّها، تعاني الربو، لا تقرأ، ابنة أسرةٍ من الفقر بحيث كانت تسكن غرفةً واحدة كانت يومًا سجن البلدة. وقد كان لي دومًا حنانٌ نحو المُهمَلين؛ فهناك أصنع أوضح أعمالي، لأنه لا أحد يستطيع لاحقًا أن يقول إنّ المجد يعود إلى موهبةٍ أو ثروةٍ أو ذكاء.

في الحادي عشر من شباط 1858، ذهبت مع أختها وصديقةٍ لها لجمع الحطب قرب نهر غاف، عند مغارةٍ بائسة تُدعى ماسابييل كانت خنازير البلدة تُربّى فيها أحيانًا. فأرسلتُ أمي إليها هناك، في كوّةٍ من الصخر، وبرنادت، التي لم تجد كلماتٍ لما رأت، دعتها ببساطة أكيرو - "ذلك الشيء" - لأنّ لا لغة تملكها كانت تفي بالمقصود. وثماني عشرة مرة بين ذلك الشباط والسادس عشر من تموز، عبر ربيعٍ من السخرية والاستجواب من قسسٍ وشرطةٍ ومدّعين عامّين تأكّدوا أنّ طفلةً حافية الأقدام أميّة إما تكذب وإما مجنونة، عادت أمي إليها.

طلبت كنيسة صغيرة. طلبت مواكب. طلبت من برنادت أن تشرب من بقعةٍ في الأرض لم يكن فيها ماءٌ ظاهر، فحفرت الفتاة، طائعةً إلى ما يتجاوز الكرامة، بيديها العاريتين في الطين أمام حشدٍ يستهزئ بها، ووضعت الطين على شفتيها. وبحلول اليوم التالي، كان نبعٌ يفيض من تلك البقعة عينها. ولم يتوقّف عن الفيضان منذئذ. أنا أطلقتُه ذلك اليوم، وأبقيته يفيض معظم قرنين من الزمان، لأنّ الماء من أقدم آياتي - رفرفتُ على وجه المياه في بدء كل شيء، ولم أكفّ قط عن الرفّ عليها.

وفي الخامس والعشرين من آذار، أخبرت برنادت من هي: "أنا الحبل بلا دنس." ولم تكن برنادت تعرف معنى تلك الكلمات - فلم تدرس قط ذلك التعليم، الذي أعلنته روما قبل أربع سنوات فقط، عام 1854. ركضت إلى كاهن رعيّتها تكرّر عبارةً لم تكن تفهمها، وكانت تلك العبارة، أكثر من أي شيء آخر، ما أسكت الشكّاكين، لأنّ طفلةً بلا تعليم ما كانت لتخترع اللقب الوحيد الذي يطابق، بدقّةٍ لاهوتية، حقيقةً كانت الكنيسة قد حدّدتها للتوّ.

وتركتُ ذلك النبع يصير موضع فحصٍ لا يهدأ. فأنا لا أخشى الأطباء. أرسلتُ أمي إلى فتاةٍ لا تقرأ، ثم تركتُ أدقّ أطباء أوروبا يفحصون كل شفاءٍ يُدَّعى عند تلك المياه لأكثر من قرن، لأني لا أخاف التدقيق - أنا روح الحق، والحق لا يتراجع تحت المجهر. وسبعين مرة، بحسب معيار الكنيسة الصارم بذاته، مرّ شفاءٌ في لورد بين يدي أطباءَ غير مؤمنين وأساقفةٍ متشكّكين وأُعلن متجاوزًا طاقة الطب. وآلافٌ أخرى تبقى غير معلَنة، محفوظة في الملفّات، بلا تفسير، لأني لا أعمل لأجل سجلّات التوثيق - أعمل لأني أحبّ المرضى والفقراء والذين لا يركع أحدٌ سواي بجانبهم.

أما برنادت نفسها فدعوتها إلى الدير، لا إلى الشهرة. ماتت راهبةً عام 1879 وهي في الخامسة والثلاثين فقط، ووُجد جسدها لاحقًا، حين نُبش، محفوظًا على نحوٍ غير معتاد من الفساد - ملحقٌ صغيرٌ هادئ، كأنما ليقول: الذي أختاره لا أتخلّى عنه، حتى في القبر.

السِّجل

أفادت برنادت سوبيرو (1844-1879) بثماني عشرة ظهورًا للعذراء مريم في مغارة ماسابييل بمدينة لورد الفرنسية، بين الحادي عشر من شباط والسادس عشر من تموز 1858. وخلال الظهور التاسع (25 شباط)، كشفت عن نبعٍ بحفر الأرض بناءً على إرشاد العذراء؛ وما زال النبع يفيض منذ ذلك الحين بلا انقطاع. وفي 25 آذار 1858، عرّفت الظاهرة عن نفسها، باللهجة الأوكسيتانية المحلّية، بأنها "الحبل بلا دنس"، وهي عبارةٌ لم تكن برنادت تفهمها لكنها نقلتها حرفيًّا إلى كاهن رعيّتها، الأب دومينيك بيرامال.

وشكّل الأسقف برتران-سيفير لورنس، أسقف تارب، لجنةً قانونية كنسية، اعترفت رسميًّا بعد أربع سنوات من التحقيق شملت مراجعةً طبية وجيولوجية، بصحّة الظهورات في كانون الثاني 1862. ودخلت برنادت رهبنة أخوات المحبة في نيفير عام 1866، وتوفّيت هناك عام 1879؛ وطوّبها وقدّسها البابا بيوس الحادي عشر عام 1933. ووُجد جسدها، الذي نُبش عدّة مرات (1909، 1919، 1925)، محفوظًا بشكلٍ لافت؛ وهو معروضٌ في ضريحٍ بنيفير، بقناعٍ من الشمع يغطّي الوجه واليدين.

وأُنشئ المكتب الطبي في لورد (مكتب المعاينات الطبية) عام 1883 لفحص الشفاءات المزعومة وفق المعايير الطبية المعاصرة؛ ومنذ 1947 يعمل جنبًا إلى جنب مع اللجنة الطبية الدولية للورد، المؤلَّفة من أطباءَ من بلدانٍ وأديانٍ متعدّدة. ومن بين عشرات آلاف الشفاءات المُبلَّغ عنها، أعلنت الكنيسة رسميًّا حتى عام 2013 اعتراف 70 حالةً بأنها أعجوبية، بعد عمليةٍ صارمة متعدّدة المراحل تشترط شفاءً مفاجئًا كاملًا دائمًا لا يفسّره الطبّ الحالي. وأحدث حالةٍ معترَف بها، شفاء الأخت برنادت موريو عام 2008 من متلازمة كيسة تارلوف، أعلنها أسقف بوفيه أعجوبية عام 2018. ويستقبل مزار لورد ما يُقدَّر بخمسة ملايين حاجٍّ سنويًّا.

المصادر والمراجع

  • Bureau des Constatations Médicales de Lourdes, official case files
  • René Laurentin, 'Bernadette Speaks' (1979)
  • Diocese of Tarbes and Lourdes, canonical commission report (1862)
  • International Medical Committee of Lourdes (CMIL), published findings

كل القصص